رأي يستحق القراءة

أواب ابراهيم - الجزيرة توك - بيروت

أتحدى من يعثر على جواب للسؤال التالي: ما هو مستقبل الثورة السورية، ومتى من المتوقع أن يسقط النظام، وما هو ثمن حصول ذلك؟ سألت كثيرين هذا السؤال، لكنني لم أحصل على إجابة. ما يتفق عليه الجميع أن أمد الثورة سيطول، وأن النظام مازال يتمتع بشعبية وازنة، وأن السيناريو الليبي بالتدخل الدولي لن يتكرر في سوريا، نظراً لاختلاف الظروف وعدم وجود جائزة يسيل لها لعاب الغرب كما هو حال النفط الليبي.
أرجو أن لا أكون مضطراً في كل فقرة على التأكيد بأنني أؤيد الثورة السورية، وأساند الشعب الذي يتعرض كل يوم لمجزرة تزداد بشاعة ودموية يوماً بعد يوم، وأعارض النظام القائم. كما أرجو أن يتم فهمي على قدر ما أقول، وليس على قدر ما يريد البعض أن يفهم.
شكلت الثورات العربية التي بدأها بو عزيزي في تونس سلسلة مترابطة ومتواصلة من مواجهة الشعوب لأنظمتها الفاسدة، إلا أن ذلك لم يحل دون تميّز كل ثورة عمّا سواها. في تونس ضَعْف الرئيس وخنوعه كان سبباً رئيسياً في انتصار الثورة. وفي مصر شكل وقوف الجيش إلى جانب الثورة وتخلّيه عن مساندة الرئيس محطة أساسية أدت لتنحي مبارك ومن ثم محاكمته. أما في ليبيا فليس سراً أن التدخل الأجنبي كان فيصلاً في مسار الثورة، ولولاه ربما لكان معمر القذافي مازال في باب العزيزية مهدداً متوعداً شعبه بالملاحقة زنغة زنغة. في حين أن اليمن رتب ملفات الثورة بهدوء، من خلال رعاية سعودية مباشرة، لاتهدف فقط إلى حقن دماء الشعب اليمني، بل كذلك لمحاولة صدّ انتقال "فيروس" الثورات إليها. وفي المغرب أدرك الملك الرسالة مبكراً فأعلن إصلاحات ونظم انتخابات حققت الكثير من أهداف الثورة فيما لو أنها حصلت.
ما أريد قوله أن الغاية والهدف من أي ثورة ليس إراقة الدماء والتعذيب في المعتقلات والتظاهر في الميادين ورفع الشعارات والهتاف ومقاومة أزلام النظام الفاسد. إنما الغاية هي تحقيق الهدف الذي قامت من أجله هذه الثورة. وعليه، ليس انتقاصاً من الثورة ولا إساءة لشهدائها أن يتم وقفها إذا حققت الجزء الأساسي من أهدافها، وفرض درء المفسدة وجلب المصلحة حقن الدماء والتوصل لتسوية.
أكرر، أنا لا أدعو لوقف الثورة السورية والاستسلام للنظام، والخضوع لظلمه وفساده من جديد، جلّ ما أقوله هو فسحة من التفكير بهدوء ورويّة حول مستقبل هذه الثورة، والتأمل في فرص نجاحها والخسائر المتوقعة في سبيل تحقيق أهدافها، والمدى الزمني المطلوب لذلك. فلنفرض أن تحليل مجرى الأحداث وقراءة معمّقة لمسار الثورة أدى إلى نتيجة أن الثورة ستنجح في تحقيق أهدافها بعد خمس سنوات، وأن الخسائر المتوقعة هي سقوط قرابة مئة ألف شهيد من خيرة أبناء الشعب السوري. ألا تستحق هذه الحصيلة دقائق للتفكير في بحث الاستمرار في الثورة من عدمها؟!.
حين أتحدث عن وقف الثورة، لا أعني عودة عقارب الساعة إلى الوراء، مضافاً إليها دماء آلاف الشهداء، وتضحيات ومعاناة معظم الشعب السوري. هذا أمر لم يعد مطروحاً، والوضع السابق الذي كان عليه قبل اندلاع الثورة ليس وارداً. ما أتحدث عنه هو تسوية (ما)، يتم التوصل إليها بين أبناء الشعب السوري الثائر وبين النظام برعاية عربية وربما دولية، تحقق أكبر قدر ممكن من أهداف الثورة، وتساهم في حقن دماء الشعب السوري، والحؤول دون حرب أهلية طائفية، بات الكثيرون يشيرون إليها كنتيجة حتمية.
كل ما أقوله يعتمد على حسابات مادية مبنية على الوقائع والظروف القائمة. في حين أن الظروف والوقائع التي كانت قائمة في تونس ومصر وليبيا كانت أكثر سوءاً، لكن الله قدّر أن تنجح هذه الثورات وتطيح بأنظمة لم يكن يتوقع أحد الإطاحة بها، وهو أمر ربما يكون مقدّراً في سوريا، ونسأل الله أن يكون كذلك. لكن ذلك لايمنع من طرح وجهة نظر، ليست متخاذلة بقدر ما هي حريصة على دماء الشعب السوري.


 

شارك برأيك

لبنان

تويتر