جمود العربية سبب ضمورها

نسخة للطباعةSend to friend
أوّاب إبراهيم ـ الجزيرة توك ـ بيروت
تحت عنوان "حتى لا ننعيها بعد نصف قرن.. تربويون عرب يوصون باعتماد العربية لغة وحيدة في التعليم" كتبت إحدى الصحف خبراً مفاده أن تربويين ولغويين عرب أوصوا باعتماد اللغة العربية لغة وحيدة في التعليم الأساسي وفي الإعلانات التي تقدمها القنوات التلفزيونية العربية.
أعادني هذا الخبر إلى أيام المدرسة، حيث تابعت علومي في مدرسة تعتمد حينها منهجية تعليمية "رائدة"، تقوم على تعريب المواد العلمية كالرياضيات والعلوم في المرحلتيْن الابتدائية والمتوسطة، لتعود إلى لغتها الأصلية (الأجنبية) في المرحلة الثانوية.
 وكان المدرس يردد على مسامعنا -كل يوم تقريباً- أن هذه المنهجية تسعى لتعزيز اللغة العربية وتقويتها، وصولاً إلى تعريب العلوم في جميع المراحل. وكان المدرس واثقا من نفسه، مدركا طريقه في التعليم، ففي الرياضيات كان لدينا (س ص) عوضاً من (X Y)، و(أ ب) بدل (A B)، وكان لدينا الجذر التربيعي ومتوازي الأضلاع وقانون طاليس.. أما في العلوم فكان ثاني أكسيد الكربون بدلاً من (CO2) هذا في الكيمياء، وفي الفيزياء فكانت السرعة بدلاً من Vitesse، وفي الأحياء كان مشج عوضاً من Sperm وهكذا..


ونجح أستاذنا في إقناعنا بأن المنهجية التعليمية التي نسير عليها هي الأحدث والأنجع، وهي التي ستلحق بها باقي المدارس ولكن في وقت متأخر حين نكون نحن رواد هذه المنهجية. وفي الوقت الذي كان أصدقاؤنا يسخرون من المفردات والمصطلحات العلمية التي نستعملها معرّبة، كنا نحن نشعر بالعزّة والفخر لاعتمادنا لغة الضاد.
 
استمرت حالة الفخر والاعتزاز هذه حتى حصولنا على الشهادة المتوسطة، وعند ولوجنا المرحلة الثانوية زالت الغشاوة من أمامنا، وبات علينا لدراسة معادلة رياضية أن نصحب معها قاموسا، ولكي نحفظ درس الأحياء، أن نترجمه أولاً إلى العربية، وبالتالي بتنا نتكبد جهدا مضاعفا في الدراسة مما كان ينهكنا، ويضيع تركيزنا عن المضمون العلمي للمواد نظراً لانهماكنا بمعرفة معنى وترجمة الكلمات.

 
ما سبق لايعني معارضة اعتماد اللغة العربية كلغة وحيدة للتعليم بالمطلق، فمعارضة هذا الاعتماد إذا بقيت حال اللغة على حالها من الجمود وعدم التكيّف مع المستجدات، في حين أن اللغات الأخرى تتطور وتتجدد بشكل دائم. ومن المعروف أن لغويي الإنكليزية يصدرون كل عام معجما جديدا يتضمن المفردات والمصطلحات التي انضمت إلى قائمة اللغة، والتي نتجت عن تطوّر واستحداث واكتشاف أمور لم تكن في السابق، فيتم اختيار مصطلحات مناسبة لما جرى استحداثه ليصار إلى اعتمادها في لغتهم. في حين أن لغتنا العربية جامدة في مكانها، ولايحرص جهابذة اللغة عندنا على استحداث أي تطوير عليها، بل إن بعضهم يعتبر استحداث مفردات عليها إضعافاً وإفقاراً لها، وكأن بقاءها على حالها مقدس. وبالتالي على من يرغب فب استعمال اللغة العربية الصحيحة أن يستبدل كلمة "سندويش" بعبارة شاطر ومشطور وما بينهما من كامخ، واللاب توب هو الحاسوب المحمول.. وهذا أمر مستحيل. وفي الوقت الذي يضمّن البعض حديثهم مصطلحات أجنبية في إطار الفشخرة والتباهي بامتلاك لغة أجنبية، فإن من المؤكد أن بعض المصطلحات الأجنبية المستعملة لامقابل يفسرها في اللغة العربية. لذلك فإن على من ينادي ويطالب باعتماد العربية لغة أساسية ووحيدة في التعليم وفي وسائل الإعلام، عليه أن يوجد البديل المناسب والمرن والمتطور مع تغيرات اللغة. 
 
اللغة العربية هي لغة القرآن، وهي معجزته، لكن هذا لا يعني أن تبقى هذه اللغة في مكانها في حين أن كل ما حولها يتحرك. وأكاد أقسم أنه لو توفرت المتغيرات التي نشهدها اليوم في زمن أعراب الجزيرة العربية لكانوا استحدثوا لها كلمات ومفردات تناسبها، ولكان جهابذة اللغة عندنا قدموا لنا هذه الكلمات على أنها من صميم العربية الفصيحة فقط لأنها جاءتنا من العرب القدماء. في حين أن لغويينا وفصحاءنا لاينقصهم شيء اليوم حتى يبتكروا مفردات تتناسب مع ما يستجد من أمور. وإلا فإن المعاناة من التخلّي عن استعمال اللغة العربية وضمورها سيستمر ويستفحل.

التعليقات

أضف تعليقاً

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.

معلومات أكثر عن خيارات التنسيق