كَلماتٍ .. على اكُفٍ خَشِنة
ليث مشتاق - الجزيرة توك
بتململٌ استخرج سجارة واشعلها علّه يقتل تلك الدقائق المملة .. فالانتظار في محطة غسل السيارات لايمكنه استغلاله بشيئ .. سوى النظر من حوله اخيراً .. الطقس بارد .. هكذا فكر وهو يضع يده في جيبه سائرا بخطى بطيئة .. تجاه سيارته ليراقب العمال .. وهم يقومون بتنشيفها
ترى من ذلك الشاب .. تسائل في نفسه .. آسيوي من شبه القارة الهندية .. لطيف الوجه بلحية خفيفة .. كان الصامت الوحيد بين جمع العمال .. اخذ يرقبه .. يلاحقه بعينيه .. ليتسائل في نفسه .. من اين انت ؟ .. من هم اهلك ؟ ترى ماهي احلامك ؟ .. نظر الى كف الشاب وقد تشققت من البرد .. والماء .. وطبع عليها السيد الفقر ما طبع من ذكريات .. كانت كافية لتشيح بنظره عن كف ذلك الشاب .. الى ذكرياته هو .. في رحلة عودة طولها عشرون عاما .. ليستذكر تسعينات الحصار على العراق .. وتقلبه بين مهنة و اخرى .. بحثا عن لقمة العيش ..
هل تذكر كيف كانت كفك ؟ هل تذكر حرقة الماء البارد وانت تزيل عن كفيك ما علق بها من مواد البناء !! هل تذكر احمرار كتفيك .. وانت تحمل الحديد عليهما يوم كنت اجيرا في معمل ( السدرة ) .. !!
اخرج من جيبه مبلغا زهيدا من المال .. اقترب من ذلك الشاب خطوات .. كان منهمكا في تنظيف السيارة .. لمس كتفه .. ليلتفت اليه الشاب الاسيوي .. بنظرة تشبه الى حد كبير .. نظراته حين اختلطت يوما بين الحاجة وعزة النفس .. والامل بنقلة تغير حياته .. اعطاه المال .. وعاد الى مكانه .. لكن .. لم يعد يراقب الشاب .. فارقه بابتسامة .. ليستدير بوجهه لينعم بالذكريات .. عائدا الى هناك ..
الى هناك .. حيث رائحة قلي الفلافل تتطاير من محل متواضع في شارع الرشيد .. اذ يشير له احمد .. رفيق دربه وشريك فقره .. وكبريائه .. ان هلم بنا ناكل .. وتغريهما عربة بائع اللبن ليشربا .. لبن لذيذ الطعم .. وان افتقد لابسط شروط النظافة .. الفهما شارع الرشيد .. فهم زوار دائمون على محلات الكتب فيه وبعض المقاهي ( البوهيمية ) كما كان يسميها صديقه ..
على استحياء يفتح علبة سجائره مرارا .. ليعد اللفافات المتبقية كلما شرع بالتدخين .. فعلبة السجائر لم تكن رخيصة .. على الاقل بالنسبة لهما .. ضاعات حسابات الساعات او الكيلومترات التي ممكن ان تقيس مسافة سيرهما .. فلقد جابو بغداد طولا وعرضا .. سيرا على الاقدام .. وحدة قياسه هو .. ذوبان نعل حذائه المحلي الصنع ..
توقف هنا .. تبسم وهو يطالع مايلبسه اليوم .. رفع راسه باتجاه الشاب العامل .. كانه يحسب المسافة التي قد تبدو امتارا .. لكنها في حساباته تعني اشياء اخرى ..
قال في نفسه .. سبحانك .. بالامس كنت اقف على الطرف الاخر من تلك المسافة .. واليوم انا هنا .. تذكر وجه احمد .. وهو يردد بصوته الحنون .. عزيزي هذه الدنيا عجيبة .. فلا تامنها وكانت عبارة سبحان الله .. لاتفارقه وهو يفسر فلسفته ونظرته لهذه الدنيا ..
قارب الشاب على الانتهاء من عمله .. واخرج صاحبنا مفاتيح سيارته الفارهة .. بمقاييس ( زمان ) .. قال له الاسيوي .. تفضل هي جاهزة .. بلغة الاشارة .. وضع احدى قدميه في السيارة ليركب .. فتوقف والتفت اليه .. التقت عيناهما لثوان .. قال له فيها .. ياصديقي .. اسمع مني .. ابيع عمري اليوم ..لاشتري ساعة من ذلك الزمن .. احملك امانة بلغها الى السيد الفقر .. قل له .. اني افتقده .. وقل له لم يعرف قيمة الاشياء من لم يصاحبه .. وقل له ايضا .. انت الذي جعلت مني رجلا .. اما انت ايها الشاب .. فاحيي فيك عزة نفسك .. استشعر روحك .. سيدي اشكرك ... فلقد كنت بحاجة لقراءة كفك ..


الجزيرة توك لا تعبر عن شبكة الجزيرة ولا العاملين فيها، والموضوعات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات
جميل جدا يا ليث...و اعلم أننا
جميل جدا يا ليث...و اعلم أننا لا ننتظر منك سوى الابداع
لولا يوجد لك ماضى تتذكره لن
لولا يوجد لك ماضى تتذكره لن يكون لك مستقبل ناجح.....شكرا لك سيدى لقد ذكرتنا بماضينا الذى تنسيناه مع سباق العصر...تحياتى لك.
...Happy memories!!Beutiful
...Happy memories!!Beutiful Laith.....yes...it has been the twentieth year already
ketabtak lel mawdoo3 ra2e3a
ketabtak lel mawdoo3 ra2e3a we ehsasak feeha kakateb we ha shkhs 3ash el tajroba sadeqa..
muwaffaq da2maaan...
يااااااااااااه ذكرتي بأيام
يااااااااااااه
ذكرتي بأيام الدراسة في ألمانيا والعمل المتواضع خلال العطلات من أجل ماركات معدودة لدعم الدراسة
الحمد لله على نعمته
أسلوب قصصي ممتع يستحق كل الثناء فإلى الأمام مع مزيد من الذكريات.تلك هي ثروة الإنسان الحقيقية
ومن لم يُرزق الرحمة بالأخرين فقد حُرم إنسانيته قبل أن يبخل بدراهمه
رد
عاشت يمناك ليث
كل المقالة رائعة لكن
هذا السطر له معاني عظيمة
وقل له لم يعرف قيمة الاشياء من لم يصاحبه .. وقل له ايضا .. انت الذي جعلت مني رجلا
تحياتي لحضرتك
كلمات ....على أكف خشنه
سلمت يداك ياليث ....موضوع جميل ولطيف ولابأس بالانسان ان يستذكر دائما ماكان عليه في الماضي حتى لاتأخذه الاموال والثراء الى جهة الغرور والتعالي والنظر للناس من فوق وينسى ان من يرى الناس صغارا بعينيه ...الناس ايضا يرونه صغيرا بأعينهم.....ولكن لم تتطرق في موضوعك عن الانسان الذي يقضي طول عمره على جهه واحده وهي جهة الفقر ياترى كيف سيكون وصفك له...وياترى كيف تصف الذي يقف طوال عمره على جهة الثراء ولايدري ولايعرف للفقر طعما ولا لونا ولا رائحه
ليس بالضرورة ، ... كم صار
ليس بالضرورة ، ... كم صار الإيمان بالمبادئ المكتوبة صعبا ...بل ربما مستحيلا ..
كلمات..على أكف خشنه
الدنيا لجنة إمتحان كبيره..الغنى والفقير يؤدون فيها الإمتحان فى نفس الوقت..ولكن
أسئله كل منهم تختلف عن الآخر..فالغنى سؤال إمتحانه فى العطاء وكيف سيفعل فيه..هل سيشكر ؟ والفقير
سؤال إمتحانه فى المنع والتقتير وكيف سيفعل معه..هل سيصبر؟ فالشكر والصبر
هما شقى الإيمان..فالغنى والفقر ليسا إلا إبتلاء من المولى سبحانه وتعالى للغنى
والفقير وكل منهما فتنه للآخر..مصداقا لقول الحق سبحانه وتعالى:
فأما الإنسان إذا ماإبتلاه ربه فأ كرمه ونعمه فيقول ربى أكرمن
وأما إذا ماإبتلاه فـقـدر عليه رزقه فـيـقول ربى أها نـن .(الفجر 15&16)
فالغنى ليس مكرمه كما أن الفـقـر ليس إهانه ..لكن كلاهما إبتلاء من الله سبحانه
وتعالى والناجح فيهما من يحسن الإجابه على سؤاله.
كَلماتٍ .. على اكُفٍ خَشِنة
طالما ربط الفقر بالحاجة و بالفقدان و الخسارة ، نتجاهل غالبا ان للفقر ايجابيات... ،يعلمنا المواجهة و يربي فينا الارادة ، و غالبا يكون له الفضل في كسبنا لذاتنا اذا ما احسنا التصرف ..يعني .بوجود قناعات و مبادئ تابثة لا تهتز رغم العوز و الحاجة )
كما قلت ليث ، الفقر يعلمنا ان نقدر قيمة الاشياء
لا شئ يبقى على حاله ،سبحان مغير الاحوال وفعلا عجيبة هي الحياة بمنطقها المعاكس ،
شكرا لك ليث ،لا تعلم وقع كلماتك علينا ،.....على طريقة تفكيرنا و رؤيتنا للاشياء
عاشت الايادي ...على الاسلوب
عاشت الايادي ...على الاسلوب الجميل والاحساس الاجمل بين طيات الكلمات.
لن اقول الا بوركت
Nice one
Nice one
كعادة الأستاذ ليث
أسلوب سرد جميل لا يتحفنا به إلا يراع الأستاذ ليث مشتاق
بوركت يمينك
أضف تعليقاً