أبو تيسير .. من كلِّ بُستانِ زَهرة !

فاتورة حساب طويلة مع الاحتلال يأمل سدادها قريباً
أحمد محمد الأغا - الجزيرة توك - خان يونس
وجهٌ شاحبٌ و عينان تحبسان الدمع في مقلتيهما. الأولى تنظر بمرارة إلى واقع الشعب الفلسطيني المشتت و الأخرى ترنو و تتطلع بحرارة للوصول إلى هناك حيث القدس و الأقصى برفقة تيسير و بشير اللذين يقبعان في سجون الإحتلال. هو كذلك وجهٌ عبوسٌ لا يعرف للابتسامة طريقاً، ذلك لأن الإحتلال الإسرائيلي لم يعبد للشعب الفلسطيني سوى طريق البؤس والمرار.
هذا هو حال الحاج شحدة عياد البحيري - أبو تيسير ( 65 عاماً ) من سكان مدينة بيت حانون و الذي يعتصم كغيره من أهالي الأسرى صباح كل اثنين أمام مقر الصليب الأحمر الدوليّ بمدينة غزة، علّه يحصل على رسالة من هنا أو هناك تطفىءُ نارَ الشوق الملتهب في صدورهم .
الحاج " أبو تيسير " كما يحب أن يقال له أذاقه الاحتلالُ كلَّ أصناف العذابات فهو بعد أن هُجِّرَ من قرية (يبنا) في العام 1948 يتفاجئ بأن ابنيه تيسير ( 33 عاماً ) وبشير ( 30 عاماً ) يغادران البيت مجبريْن على ذلك إلى زنازين الظلام في سجن نفحة الصحراوي.
لم تتوقف المعاناة هنا، فأبو تيسير يعيشُ حالياً على أنقاض منزليْن دمرهما الإحتلال خلال حربه الأخيرة على قطاع غزة . وقد كان أبو تيسير يسكن بجوار خط الهدنة على بعد حوالي ( 670 م ) من الحدود مع الأراضي المحتلة. يحرك ناظريه يمنة ويسرة ويرتب كوفيته و يروي لنا "في الصباح ذهبت لزيارة ابني "تيسير" في منزله للاطمئنان على صحته ففوجئت بخبر مداهمة البيت من قبل قوات الاحتلال و اعتقاله لأسباب واهية، لكن ماذا عساني أن أفعل ؟ ! ! حمدت الله و شكرته". ويضيف : "حُكِمَ على تيسير بالسجن لمدة 12 عاماً أمضى منها حتى الآن ستة أعوام، هذا بعد أن قضى عاماً ونصف في أقبية التحقيق".

لكن ليت أن القصة تنتهي إلى هنا، فالإحتلالُ يصرّعلى مواصلة حلقات مسلسله الظالم ، فيسلبَ بشيراً - الابن الثاني - من أبيه و هو في داخل أراضي الضفة الغربية، وكالعادة كانت التهمة جاهزة "الدفاع عن فلسطين".

تمنى الحاج أبو تيسير أن ينتهي المسلسل لكنها غريزة الذئاب التي ترفض العيش إلا على دماء الفلسطينيين، فيتفاجئ أبو تيسير باستشهاد ابنه محمد ( 18 عاماً ) و هو يتصدى لإحدى الاجتياحات شرق مدينة بيت حانون، و يتقبل متصبراً خبر إعاقة ابنه أحمد ( 17 عاماً ) في المنطقة الصناعية و بتر يده اليسرى بدون أدنى فزع، نظراً لأنه مع الأيام امتلك المناعة المضادة للصدمات حسبما يقول.

بعد كل هذا يقول أبو تيسير مازجاً الحزن بالأمل: "لا بد في يوم من الأيام أن نرجع و أن تعود الحياة إلى طبيعتها . وفي ذات الوقت لم يتحسر أبو تيسير على أنه دفع ثمن سكناه في مناطق التماس مع الإحتلال الإسرائيلي لأنه كما يقول يريد أن يبقى سداً منيعاً حتى آخر شبر في فلسطين .
و يمضي الحاج أبو تيسير في نظراته الحائرة على وجوه أهالي الأسرى ويتابع قائلاً: "لا يمكن أن أنسى ما مضى لأن الأسى لا ينتسى فأنا هُجَرت من بلدي في النكبة، ومن ثم عشت في رفح وبعدها في خان يونس، ثم انتقلت إلى بيت حانون و ها أنا أهجّر مرة أخرى من بيتي المدّمر، فهل هذا عدل؟ أعتقد أن العدل مات .. مات منذ زمن بعيد".

ثم يتبسم بسخرية مُبشّراً الإحتلال بقوله: "إن الدنيا لن تدوم لك ولو أنها دامت لدامت لغيرك،لقيصر و فرعون ومن هم أقوى منك، الحق سيرجع إلى أهله لأن الطفل الرضيع هنا يتجرع حب فلسطين من حليب أمه".

مع كل المصائب التي حلت به فإن أبا تيسير ليس متشائماً من هذه الحياة، فهو يأمل أن يعم السلام كل أرجاء المعمورة ، السلام الحقيقي و ليس السلام المرحلي المزيف، كما يقول. فمتى سيحصل أبو تيسير على ذلك السلام الذي يريد ؟!

شارك برأيك

فلسطين

تويتر