عماد الدين السيد - الجزيرة توك - الاسكندرية
من المرات النادرة التي يُسمح لي فيها بمتابعة حكاية كاملة من حكايات القدر والمصائر. تعرفون الحكايات التي تروي قصة انتصار الحق وتتجلى فيها حكمة أن الجزاء من جنس العمل. هذه الحكايات غالباً ما تحدث في مدة لا تقل عن السنوات طويلة. الرجل الظالم الذي قتل، فتمر سنوات طويلة ليأتي الابن ويثأر لأبيه بنفس الطريقة. روايات نجيب محفوظ تمتليء بهذه الحكايات الشيقة التي تؤكد أن الزمان -وإن طال- فإنه -لابد- سيحمل في طياته نهاية الحكاية.
بالأمس فقط انتهت مسرحية من مسرحيات القدر، أو هي قصة قصيرة إن شئتم نظراً لضآلة الزمن الذي حدثت فيه. منذ أن رأيت ما يحدث من تشاحن وبغضاء واتهامات متبادلة بين شعبين عربيين بسبب الكرة، حتى أيقنت أن لابد من نهاية لهذه البداية، لابد من نهاية لهذه المسرحية المخيفة. نحن في الفصل الأول منها وبالتأكيد ستتعاقب الفصول والمشاهد قبل أن نرى الفصل الأخير ومشهد الختام. وتوقعت أن يطول الأمر لسنوات عدة قبل أن يُسدل الستار. حتى قرعة كأس الأمم الأفريقية في أنجولا أبعدت المنتخبين عن بعضهما في الأدوار التمهيدية. فكان يبدو أن القدر لن يتعجل بإنهاء المسرحية.
إلا أن ما جرى في البطولة الأفريقية من أحداث جعلني أجزم أن الفصل الأخير قادم وبسرعة. الجزائر تتأهل بعد تسجيلها لهدف واحد فقط مستغلة نتائج الآخرين. وتتأهل كثاني للمجموعة حتى يمكنها أن تُقابل مصر أول مجموعتها في دور الأربعة إن فازتا على قوتين عظمتين، الكوت ديفوار والكاميرون.
كنت أشجع بحرارة الجزائر في ملحمتها التاريخية ضد الكوت ديفوار. أعترف أن دافعي لم يكن الحرص على الوحدة العربية أو غيرها بقدر ما كان رغبة مشتعلة في رؤية القدر وهو يتحرك لينهي حكاية أخرى من حكاياته. فلما سجلت الكوت ديفوار هدفها في الدقيقة الأخيرة من عمر المباراة حتى خيم عليّ الحزن. ستطول المسرحية إذن لفصول أخرى لا يدرى إلا الله مدى شدتها على المسلمين والعرب.
ولكن القدر يعود ليأكد رغبته في إنهاء الأمر سريعاً، وتعود الجزائر بهدف قاتل في آخر ثانية من عمر الوقت الأصلي، ثم بآخر في بداية التمديد. كان الأمر مذهلاً بالنسبة لي. كل شيء يسير في اتجاهه الطبيعي. والجزائر تستعد لمواجهه مرتقبة مع مصر قريباً. ومصر فازت على الكاميرون على الرغم من تصريحات ايتو النارية، ومن شك البعض في انخفاض الروح المعنوية للاعبين خوفاً من مواجهة الجزائر.
فلما حان وقت المواجهه المرتقبة أعلنتها صراحة أن هذا هو الفصل الأخير من فصول المسرحية، وكأن الله يأبي أن تستمر الفتنة بيننا فيعود ليجمع شتاتنا بعدما بعثرناه. شعرت وكأني أرى نهاية قصة أجيال بأكملها. قصة يختم فيها الحفيد قضية جده الكبيرة.
ولكن بقي السؤال، كيف ستكون النهاية؟
لا أنكر أني خفت أن تكون هذه المباراة مصدر نار جديدة بين البلدين. قلت أننا ربما نستعد لكي نصل إلى قمة الصراع الدرامي في المسرحية. وأن الختام لم يحن بعد، وأن المباراة ليست آخر فصول المسرحية. ولكن ما حدث قبلها كان يؤكد لي أنه الفصل الأخير فعلاً.
والحق أني لم أتوقع أن تكون النهاية بهذا الشكل. رباعية نظيفة في مرمى الجزائر. كدت أصفق إعجاباً للقدر. المصريون شفوا غليلهم واطفأوا نار شعورهم بالظلم. فأصبحوا قادرين على المصالحة بل وراغبين في تشجيع الجزائر في المونديال بعدما كادوا يمتنعون. والجزائريون من قبل حصلوا على الإنجاز الأهم بالتأهل للمونديال لمقارعة الكبار. واختفت لهجة الزهو في حديثهم مع المصريين. أربعة أهداف تقلل من حدة التوتر بين الشعبين كثيراً. الآن صار لكل إنجازه الذي يباهي به والذي لا يملك الآخر معه ردا.
نقرة بنقرة كما يروي المثل، ولكنهما نقرتان حسمتا الصراع وأسدلتا الستار على مسرحية لم تكن ممتعة بقدر ما كانت مرعبة.
وكم للقدر من حكايات.