أوّاب إبراهيم - الجزيرة توك - بيروت
كشفت مأساة الطائرة الأثيوبية عن تضامن وطني افتقده اللبنانيون منذ زمن طويل. رجال الدولة على اختلاف مراكزهم حضروا إلى أرض المطار منذ الصباح الباكر، بعدما كان سبقهم الوزير غازي العريضي الذي كان حضر فجراً. استفسروا عما حدث، هدؤوا من روع أهالي ركاب الطائرة المحتشدين، حلقوا بطائرة فوق المنطقة المنكوبة، انتقلوا إلى المستشفى الحكومي، أعلن كل واحد منهم على حدة، متابعة الدولة اللبنانية لهذه المأساة بجميع مرافقها، واستنفار وزاراتها والأجهزة المعنية وتشكيل لجان تحقيق.
كل هذا كاد أن يكون متكاملاً لولا بعض "الهنّات" التي ارتكبت، وكان يمكن تلافيها وتداركها بسهولة. فأنظار الجميع صوّبت نحو الضحايا الأربعة والخمسين اللبنانيين الذي كانوا على متن الطائرة، ولم يلتفتوا إلى ضحايا آخرين من جنسيات أخرى. وهذا أمر طبيعي من مواطنين يريدون الاطمئنان على من يعرفون، لكنه ليس أداءاً طبيعياً من دولة يفترض أن تتعاطى مع المأساة دون النظر إلى جنسيات أصحابها. فلا يجب أن تولي اهتماماً لمعرفة مصير زوجة السفير الفرنسي والضحايا اللبنانيين، وتهمل مصير آخرين بينهم أكثر من عشرين أثيوبياً، ليس لهم أحد في لبنان سوى بعض الزملاء والأصدقاء الذين يعملون خدماً في بيوت اللبنانيين. هؤلاء انتشروا على طول شاطئ منطقة خلدة، انتحبوا بصمت في عين العاصفة، يرقبون أمواج البحر علّها تحمل معها جثث أو بقايا جثث أو حاجيات تعود لمن يعرفون.

حتى وسائل الإعلام انساقت وراء لبنانيتها. فعند إعلان أسماء الضحايا، أهمل الكثير منها نشر أسماء الأثيوبيين، ورغم التسابق على السبق الصحفي المميز، لم يكن الضحايا الأثيوبيون والحديث مع أصدقائهم ضمن أهداف هذا السباق.
الهنّة الأخرى التي ينبغي الالتفات لها هو تعدد المرجعيات. فرغم الاستنفار الذي أعلنته الدولة بجميع مرافقها، إلا أن الفوضى المنظمة كانت ملحوظة. فغابت المرجعية الموحدة لمعرفة حقيقة ما يجري، وما استجدّ من معلومات، وبرزت عدة مرجعيات، الملفت أنها كلها رسمية. فتضاربت الأخبار، واضطر البعض للتراجع عن تصريحات سابقة. وزير الأشغال العامة أدلى بتصريحات تتعلق بالحادث. وزير الدفاع أدلى بتصرحات ناقضت ما قاله من سبقه. وزير الصحة تولى التصريح عن وضع الجثث والأشلاء التي يتم العثور عليها. حتى قيادة الجيش بدت متسرعة في التعاطي مع الحدث. فهي بعد ساعات قليلة من شيوع الخبر أصدرت بياناً قالت فيه إن "الطائرة شوهدت تندلع فيها النيران ثم ما لبثت أن سقطت في البحر قبالة منطقة الناعمة علىمسافة 8 كلم من الشاطئ، وأن البحرية اللبنانية نجحت في تحديد مكان سقوط الطائرة".

ليثبت لاحقاً عدم صحة هذه المعلومات. لم تقتصر فوضى المعلومات على المراجع الرسمية، فقد طلع علينا عدد من الأطباء الشرعيين الذين أفشوا لوسائل الإعلام معلومات ينبغي أن تبقى طي الكتمان. طبيب أشار إلى وضع الأشلاء التي وصلت، وآخر وصف الجثث التي قام بمعاينتها، وآخر أعطى رأيه برواية انفجار الطائرة، كل ذلك، دون أن يلتفت أحد لمراعاة مشاعر ذوي الضحايا الذين يتابعون ما يحكى عن أجساد أبنائهم وآبائهم وإخوانهم. حتى وسائل الإعلام وقعت في فخ السبق الإعلامي. قناة أكدت أنه تم العثور على هيكل الطائرة، وأن معظم الضحايا مازالوا داخلها، ولم تتراجع رغم نفي الأمر لاحقاً، وأخرى أشارت إلى أنه تم العثور على جثة زوجة السفير الفرنسي.. ربما كان الأجدر تشكيل غرفة عمليات إعلامية مركزية، يتم فيها جمع كل المعلومات المتعلقة بمأساة الطائرة الأثيوبية، وتتولى جهة بعينها التصريح لوسائل الإعلام عما توفر من معلومات، وحظر الإدلاء بتصريحات لآخرين، حتى ولو كان أصحابها وزراء.
"هنّة" ثالثة ينبغي الإشارة إليها. ففي مقابل الاهتمام الكبير الذي أولته الدولة لهذه المأساة، أغفلت –أقلّه في الساعات الأولى على وقوع الكارثة- الاهتمام ببقايا الطائرة وحاجيات الركاب التي بدأت تصل تباعاً إلى الشاطئ. فكان المواطنون ينتشلون ما تقع عليه أيديهم، ويتفحصونه أمام عدسات وسائل الإعلام، دون أن نعرف مصير هذه الحاجيات بعد ذلك. علماً أن المطلوب كان يقتصر على نشر رجل أمن واحد عند كل شاطئ يردع المواطنين من العبث بما يصل، بانتظار وصول المختصين.
