إذا نظرنا في فضائنا المعرفي نجد ما يلي: مدارسنا تعلم، جامعاتنا منتشرة، ميزانيات التعليم تصرف، طلبتنا يبعثون للخارج، الحديث عن التطوير لا يتوقف. لكن الذي يتطور هو الشيء القليل، نحن لا ننتج العلم. لماذا لا يفلح كل ذلك عندنا ويثمر عند غيرنا ؟ الإجابات لا حصر لها: الحكومات، غياب الحريات، عدم وجود مشروع. كل ذلك وأكثر منه يمكن أن يقال. ولكن في كل إجاباتنا نحن لا نتجاوز القشرة، وكلها أعراض للمرض وليست المرض ذاته، إننا بحاجة للغوص في العمق. والحفر في الطبقات المتراكمة لنكتشف ما يختبئ تحتها من أسرار تكشف عمق موضوع "عدم الفاعلية". حيث لا يبدأ العلاج دون الكشف العميق والدقيق عن هذا القاع. ثم لنحرر وصفة حقيقية تطلق ممكنات إنساننا في فضاء المعرفة.
إن الأفكار التي تعمل في اللاوعي هي الأخطر. فهي تنتشر في فضائنا دون أن نستطيع الإمساك بها ونضعها في قاعة المحكمة، ونحرر ضدها شهادة مخالفة لقانون التطور (اقرأ ...علم بالقلم ...لا تنفذون إلا بسلطان).
ولنبدأ من السطح قبل الغوص في الأعماق. ثلاث لقطات: شاب يسأل أحد كبار العلماء في موقع مشهور " أنا طالب في الشعبة العلمية، وتدينت، وأردت التغير للدراسة الشرعية، ووالدي يمانع، فهل أطيعه أم أعصيه !؟ " رجل ثري يسأل " طالب علم محتاج. فهل انفق عليه مع أنه يدرس غير العلم الشرعي! " شاب متحمس يرسل لأحد المواقع الشرعية ويريد منهم أن يسندوه في موقفه من خطيب ساق أحاديث وآيات الحث على العلم مقترنة بأمثلة من العلوم الدنيوية، بينما في رأيه أن كل ما سيق متعلق بالعلوم الشرعية. والغريب أن الموقع أجابه لما طلب !".
ولنأخذ خطوة أخرى مقاربة للسطح. هذا استبيان عن القراءة في مدارسنا أجرته إحدى المؤسسات الخاصة على الشريحة التي تقرأ، بمعنى أنها استثنت الشباب، واستثنت الشابات عامة، واتجهت لمرتادي المكتبات المدرسية خاصة، ومن الإناث فقط. والنتائج كانت كالتالي: فيما يتعلق بنوعية القراءة، أظهر الاستبيان أن هناك صنفان من الكتب المقروءة، الأول القصص الخفيفة والثاني هو كتب علم النفس الخفيفة، عن كيفية كسب الأصدقاء وتقوية الشخصية. وعن سبب القراءة، كان من أجل " قتل الوقت وإزالة الملل".
سألت بعض الطلاب عن ما سيفعلونه بالكتب في نهاية العام!! فكانت الإجابة المشتركة: " نتمنى أن نحرقها!! ". ويحدثني أحد طلاب الجامعة عن المذكرة التي يدرسون منها إحدى المواد قال:" لم تتغير منذ سنوات فقد درستها كل الدفع التي قبلنا وربما لم يدخل عليها أي تحديث منذ أن دخل الأستاذ للتدريس في الجامعة ".
ولننتقل للفضاء العام لنرى عبارات " ادرس حتى يقول الناس عنك طبيب أو مهندس" أو " ادرس حتى تحصل على وظيفة " أو " ادرس حتى تصبح سينور". لا فرق في السلوك الكلي بين مطلب التلميذ ومطلب الآباء وسلوك المدرس!!.
ها نحن أمام صورتين الأولى: تقصُر العلم المطلوب على العلم الشرعي بصورة صريحة أو مستترة، أو تضع العلوم الدنيوية في إطار: "لا بأس بدراستها " فقط لا بأس!. وهي صورة حياتية واسعة الانتشار. وحين ننظر للوجه المقابل للصورة، نجد لقمة العيش وأداء الواجب المعاشي لا شيء أكبر ولا شئ أقل. فالعلم هنا هو وسيلة كسب، ولا علاقة له بالرغبة في المعرفة ( وقل ربي زدني علما).لا علاقة له بنهضة الأمة (كنتم خير أمة)، ولا علاقة له بالسباق الحضاري (أيكم أحسن عملا)، ولا علاقة له بالإحسان (إن الله يأمر بالعدل والإحسان)، لا علاقة له بالعبادات المتعدية (لأن يمضي أحدكم في حاجة أخيه، خير له من أن يعتكف في مسجدي هذا..)
هو "أكل عيش" أو "تسلية" لا فرق! هكذا هي العلاقة بالعلم. هذه هي الصورة الكبيرة لفقدان الفاعلية. إنها الصورة المختزنة للمعرفة والعلم، ما هو،وما دوره بالنسبة للفرد، وما هو دوره بالنسبة للمجتمع، وما هو دوره بالنسبة للأمة، ما علاقته بالدين، كيف تتشكل صورته في الوجدان الجمعي؟
فالعلم الذي يعرفه الناس في عصرنا بأنه قوة، والعلم الذي يطلق طاقات الفرد ويحوله لقيمة مضافة للكسب الإنساني، والعلم الذي تعز به المجتمعات، وتصبح لها به اليد العليا، والعلم الذي يعطي الأمة مكان الشهود الحضاري ويوبؤها مركز الأستاذية تقزم في وجداننا منذ زمن! أصبح يعني جانبا من جوانب العلم، وينفي ما عداه أو يحوله لشبح! شكل من غير جوهر. مدارس ومعاهد وجامعات وخريجين...ولكن من دون روح العلم وحرارته.
لو تفكرنا قليلا في منشئ الظاهرة، كيف أصبحنا نتنفسها دون أن نشعر؟ كيف تعيد إنتاج ذاتها فينا المرة بعد المرة دون أن يفلح ترياق المداس الحديثة في حلها، لوجدناها تسير في مسارين. المسار الأول: واعظ درس في المعاهد الشرعية، وانكب على كتب التفسير والتراث، ولم ينتبه لما يستخرجه من النماذج والأمثلة والشواهد والقصص. فهو يعيد نقل ما هو متوارث من قصر العلم على العلم الشرعي. وشواهد العلماء على العلماء الشرعيين، وهو دون أن يقصد يزرع الفكرة ونموذجها المعرفي المرة بعد المرة في مستمعيه ولربما تغنى بأبيات الشافعي الجميلة :كل العلوم سوى القرآن منقصة ... إلا الحديث وعلم الفقه في الدينالعلم ما قال: قال حدثنا ... وما سوى ذاك وسواس الشياطين
والنموذج الثاني شاب مسته نفحة من الرحمن وطرق باب الهداية، واتجه لأكثر الكتب قدما لينال بغيته من الدين الصافي. وهو عندها سيلتقي بمصطلحات مثل العلوم الشريفة، علوم الإسلام، علوم العرب، وسيتعلم مقابلاتها وهي العلوم غير الشريفة، علوم الزنادقة، علوم الأعاجم، وسيعود مقررا مغادرتها لحمى العلوم الشريفة! وهو عندما يؤذن له بتعلم العلوم الأخرى تصحب بنصائح مثل أن كل هذه العلوم يكتفى فيها بالحد الأدنى! وأن شرط تعاطيها هو عدم إشغالها له عن تعلم العلوم الشريفة! هكذا ولدت المشكلة ابتداء، ولم تفلح محاولات العلماء المعاصرين ممن أدركوا عمق الفجوة التي تركتها العصور المتأخرة في العلاقة بالعلوم غير الشرعية، بل وفي العلوم الشرعية ذاتها. لقد أصدم الشيخ محمد الغزالي كنموذج معاصر مع هذه الأفكار وواجهها، أدمته وأعيته، ولا زالت ذات الأفكار تفعل فعلها فينا، ولا زال الفضاء العام غير منتبه لخطورتها، ويسأل عن سر عدم الفاعلية.