مذكرات ابن عقب الباب من مانهاتن

نسخة للطباعةSend to friend
الجزء الأول
أحمد عقب الباب - الجزيرة توك - الدوحة
مذكرات ابن عقب الباب من مانهاتن أهديها لمحبي أدب الرحلات. وأخص بالذكر أبو حيدر وفاروق الرماحي وجمال السمرائي، فجميعهم ولله الحمد من مدمني القراءة، والسبب في ذلك يعود من وجهة نظري إلى سبب لا أجد له بديلاً، ألا وهو أن جميعهم يحملون الجنسية العراقية. هل في ذلك صدفة؟ لا أعتقد فهم جميعاً عينة صغيرة جداً لايتوقع فيها صفات مشتركة إلا إذا صحت مقولة: مصر تكتب، لبنان يطبع، والعراق يقرأ...تطوع صديقي العزيز إبراهيم سعيد مصور الجزيرة الرياضية أن يمر علي في الخامسة صباحاً كي يُقلّني إلى مطار الدوحة. وصلت المطار ومعي من المتاع-متعمداً-أقل القليل، حقيبة يد صغيرة تحملها نيابة عني عجلتان صغيرتان أجرها خلفي تارة أو أدفعها أمامي تارة أخرى. أزرع المطار ذهاباً وإياباً كي أنفق ما تبقى من انتظار في غير ملل.. إلى أن جاء وقت ركوب الحافلة التي ستنقلنا إلى الطائرة، لنمر بين مختلف الطائرات من شتى البلدان فهذه سعودية وتلك إمراتية وأخرى ألمانية إلى أن وصلنا في النهاية إلى طائرتنا القطرية. ألقيت نظرة وداع على صباح ذلك اليوم الخليجي الجميل من أخر أيام شهر أكتوبر ذي الثلاثين درجة مئوية، لأدلف إلى الطائرة في رحلة ستستمر إثنتي عشرة ساعة من مطار الدوحة إلى مطار جيه إف كنيدي في نيويورك، ولأقطع بذلك أكثر من أحد عشر ألف كيلومتراً محلقاً فوق ثلاث قارات وحوالي تسع دول.

فمن آسيا كان لي نصيب المرور على البحرين والكويت وعدد كبير من مدن العراق مروراً بنهري دجلة والفرات قائلاً لنفسي هنا على هذه الأرض مشى إبراهيم أبو الأنبياء الذي من زوجه هاجر الأميرة المصرية المأسورة على يد الهكسوس رزق باسماعيل أبو العرب، فالعرب الحاليين هم في واقع الأمر أنصاف عراقيين أنصاف مصريين، على هذه الأرض أُختُرِعت أول أبجدية في التاريخ، على هذه الأرض أُختُرِع الخط الكوفي، على هذه الأرض وضع أبو الأسود الدؤلي لأول مرة النقاط فوق حروف لغة الضاد ومن بعده وضع الخليل بن أحمد - العُماني الذي انتقل إلى البصرة - علم العروض وأدوات التشكيل، على هذه الأرض كُتبت قصص السندباد وألف ليلة ولية، على هذه الأرض عاش الإمام الحجة إمام مدرسة الرأي وصاحب الأرئيات المستقبلية أبو حنيفة النعمان الذي يتبع مذهبه الآن نصف المسلمين السنة وأكثر من أثنين وأربعين في المائة من المسلمين إجمالاً، على هذه الأرض عاش باب العلم علي كرم الله وجهه، لأودع العراق عند أخر محطاته في أربيل صوب أوروبا عند بوابتها الشرقية فوق بلاد الأتراك حيث دام حكم أخر خلافة إسلامية لمدة أربعة قرون كان فيها من مظاهر الحضارة المادية ما يفوق الوصف لكن الظلم المعنوي هو ما دمرها، نحن من دمرنا أنفسنا بأيدينا لا أعداؤنا، فأعداؤنا كانوا في كل العصور دائماً حاضرين، لكن السوس الداخلي الذي ينخر قيم العدل والمساواة أخطر ألف مرة من كل قذائف الأعداء، فالحضارة المادية وحدها غير كافية لكي تصمد، فما قيمة القصور والقلوب خراب؟ تذكرت محمد علي الألباني باني مصر الحديثة مع مطلع النهضة اليابانية وفشله في وضع نهضة حقيقية لأنه أستورد من أوروبا كل مظاهر الحداثة إلا العدل فكانت النتيجة الحتمية هي الفشل. ألقيت بكل هذه الخواطر فوق البحر الأسود لنحلق بشكل سريع فوق رومانيا ثم المجر ثم تشيكوسلوفاكيا السابقة ثم ألمانيا واحة العلوم والفلسفة والموسيقى الكلاسيكية، تلك العبقرية التي احتوت غباء مركباً، فمن علامات الغباء تصور أنه لا أذكياء غيرك، وهذا هو بالضبط كان خطأ النازية. ودعتُ ألمانيا عند بحر الشمال في اتجاه بريطانيا التي لم تندم قط على أنها كانت صاحبة مستعمرات الظلم التي لاتغيب عنها الشمس، فغابت عنها هي شمس الحضارة وباتت بعد الحرب العالمية الثانية تابع أليف للولايات المتحدة، ثم عند أخر محطة أوروبية كانت أيرلندا بصراعها الكاثوليكي البروتوستانتي، ليلقفنا المحيط الأطلنطي الممتد بنهاية تقارب اللانهاية أو كما سموه قديماً بحر الظلمات، فكانت فرصة أستريح فيها من الجغرافيا والتاريخ لأتناول وجبة الغداء، بعدها بعدة ساعات بدأ جزء صغير من جنوب شرق كندا يلوح من بعيد، عندها بدء الماء يضمحل حسيساً لتظهر جزر صغيرة لاتصلح لأن يعمرها بشر، فلا هي جزر يابسة ولا هي بحر لجي، هي خليط بينهما يذكرك بالكرميلا. ثم من بعد تظهر لك في الأفق أرض راسخة بغابات أشجارها سامقة وبجميع الألوان من الأخضر إلى الأحمر إلى الأصفر... سم من الألوان ما شئت فلن يجانبك الصواب.

لاتدري من فينا ينظر إلى الأخر، الأشجار إلينا، أم نحن إلى الأشجار؟ نحن إليها مبهورون أم هي إلينا مختالة علينا بألوانها الزاهية؟ ثم أخيراً على حين غرة تظهر لك نيويورك من بين الغيوم من طرف خفي تصارع الضباب ثم تعاود الاختفاء ثم تعاود الظهور ثم تعاود الاختفاء إلى أن تكشف اللثام نهائياً - في تحد صارخ دون حياء - للطبيعة التي كانت يوماً ما بكراً، لتنحت الأرض بشبكة شوارعها الأخطبوطية وجسورها العنكبوتية وبنياتها التي تحاول مراراً لمس السحاب عبثاً، أقلعنا من الدوحة في الثامنة صباحاً وبعد نصف يوم قضيناه في الجو - ونحن نزحف بسرعة ثماني مائة كيلومتر في الساعة في عكس إتجاه دوران الكرة الأرضية بإنحراف حاد تجاه الشمال الغربي نطارد النهار فلا تغيب عنا الشمس - لمست طائرتُنا مدرج مطار نيويورك في الثالثة عصراً، ليعلن قائد الطائرة أن الحرارة في الخارج أقل من حرارة الدوحة بعشرين درجة مئوية. يحاول فيها المؤشر التمسك ببعض الدفئ عند حاجز الإثنتي عشرة درجة مئوية، وليفلت السحاب بدوره بعض زخات المطر الخفيف.

عندها فتحت جوالي لأجد رسالة تهنئة بسلامة الوصول من شبكة جوالي القطرية بلغة لن استخدمها من الآن فصاعداً لمدة شهرين. في مثل هذه اللحظات تحب اللغة العربية آيما حب، كعاشق يناجي حبيبته سراً. فتلك الحروف التي لطالما ألفتها - اليوم - تخاطبك أنت وحدك، هي البقية الباقية من أهلك ووطنك. هي الذات .. وبعدها العدم. من نافذتي الصغيرة التي يعلوها بخار الماء أتابع محاولات الطيار وهو يمر بطائرتنا من بين الطائرات الواقفة على أرض المطار، فكان أول ما رأيت ذيل طائرة بوينج كبيرة بيضاء مرسوم عليه نجمة داود الزرقاء تابعةً لشركة الخطوط الجوية الإسرائيلية العال. كم كنت أحب اللون الأزرق لون البحر ولون السماء . . وكم بت أكرهه الآن . . لون الظلم والطغيان، وتساءلت ما هو الحد الأقصى لعمر الظلم على هذ الكوكب، تذكرت مقتل الحسين سيد الشهداء وإنهيار دولة بني أمية في أقل من ثمانين عاماً، تذكرت محاولة الرومان لصلب المسيح عليه السلام ثم بعد عدة عقود تتبنى الدولة الرومانية المسيحية كدين رسمي للدولة. تأكدت أن اللون الأزرق مهما كرهته الآن فسيأتي اليوم الذي تذكرني فيه زرقة السماء بعدالتها من جديد. ألقيت بنفسي في مطار نيويورك الضخم لأسبح بين أمواجه المتلاطمة من البشر، والتي ساعدتنا مشكورة السجادات المتحركة على قطع مفازته.

لكن الحقيقة أن المطار لم يرق لي على الإطلاق، فالزحام خانق وقلة النظافة لاتخطئها عين الأعمى، على عكس ما اعتدت عليه في مطارات ألمانيا قبل أكثر من عشر سنوات من رحلتي هذه من نظافة تتحدى نظافة غرف العمليات الجراحية وتنسيق في الديكور يذكرك بمعارض اللوحات الفنية، لأجد نفسي في جدل يتساءل هل من العدل مقارنة الأمريكان إلى الألمان؟ ثم يتسع السؤال مجدداً ليصبح هل يجوز أصلا ًمقارنة أحد من البشر إلى الألمان؟ لأصل إلى جواب مفاده أن الألمان واليابانيين - غالباً - هم من خارج الدائرة البشرية، تركت أفكاري تصارع بعضها بعضاً كي أتمكن بدوري من مصارعة الزحام المحيط بي من حولي. ففي وسط هذا الزحام من شتى أجناس الأرض من هنود وأوروبيين شرقيين وأفارقة وغيرهم كنت الوحيد في مطار نيويورك الذي يرتدي كمامة. حتى ذلك الراهب البوذي شبه حافي القدمين ذو الوشاح البرتقالي لم يكن يرتدي كمامة تقيه أنفلونزا الخنازير، شعرت بالحرج من حذري الذي قد يبدو في أعينهم مبالغ فيه، فخلعتها في تحد وعدم مبالاة بالفيروسات، ثم في تحد أخر لبستها مجدداً احتراماً لقناعاتي حتى وإن أختلف معي فيها الأخرون، كان معي العديد من الكمامات كنت أريد أن أوزعها على من أستطيع لكنني تماسكت وأحتفظت بحذري لنفسي.

ومن يراجع أشرطة كاميرات المراقبة في ذلك اليوم سيتأكد مما أقول، فقد كنت الوحيد الذي يرتدي كمامة في مطار نيويورك، ثم عرفت السبب فيما بعد، فأهل نيويورك معتادون على زحام المواصلات العامة تحت الأرض وفوق الأرض، فلا معنى للكمامة في الجو، وبالتالي ولا في المطار. زحام مترو أنفاق نيويورك يذكرك بزحام مترو أنفاق القاهرة. وعلى الرغم من أن القاهرة المبنية عام ٩٦٩ميلادية أقدم من نيويورك المبنية عام ١٦٦٤ميلادية بحوالي سبعة قرون، إلا أن مترو أنفاق نيويورك أقدم من مترو أنفاق القاهرة بحوالي قرن. الله يرحم أيام مواصلات ألمانيا، كنت أعتبر نفسي منحوساً في المرة التي لا أجد فيها مقعدي المفضل شاغراً لأضطر أن أجلس في أي مقعد أخر

إلى اللقاء في الجزء الثاني


التعليقات

صورة GYRO GUY

السلام عليكم استاذ احمد لعل

السلام عليكم استاذ احمد لعل المانع والتاخير خير انشاء الله في اتتظار الجزء الثاني من الموضوع اخوك مصطفي حجازي

صورة عبد السلام أبومالك

طريقة جديدة في كتابة أدب

طريقة جديدة في كتابة أدب الرحلات تتميز بأسلوب سلس وجميل وغنى في المعلومات . أهنئك أخى أحمد على مقالتك واتطلع إلى قراءة الجزء الثاني من مذكراتك .

صورة عبد الحق صداح

زيارة موفقة

عهدتك اخي احمد مونتيرا جيدا ومدربا صبورا وبارعا، وها انا ذا اكتشف عندك ملكة أخرى تدل عن قسمة جديدة من قسماتك الجميلة.
لقد تملكني شعور وكآني كنت إلى جانبك في رحلتك الامريكية وقد شدني شدا مزجك الجغدافيا والتاديخ في بوتقة واحدة، رغم ان ذلك كان كمن يدور السكين في الجرح. لكن لا بأس فالعلاج بالصدمة له حسناته ايضا.
على كل حال انا بانتظار قراءة المزيد عن رحلتك البطوطية، ولعلي لن انتظر حتى تزورك ملكة الكتابة من جديد وسأبادرك بدعوة إلى كوب شاي في كافتيريا الجزيرة لمعرفة تفاصيل تجربتك الرائعة.

صورة أحمد عقب الباب

رد على عبد الحق صداح

يسعدني تلبية دعوتك ولي الشرف في الجلوس إلى صحفي أحترمه وأعزه كثيراً مثلك

صورة GYRO GUY

ابن عقب الباب

فين الصور اللي صورتها في منهاتن ٥٣ مع ٦ افينو ولا الاكل مش عجبك علي اي حال توصل بالسلامة وتجيب درجة كبيرة فى الامتحان اخوك مصطفي حجازي

صورة أحمد عقب الباب

رد على مصطفى حجازي

أهلاً يا مصطفى
أنا سعيد جداً بتعليقك
طبعاً أكلكم لا يعلى عليه
بصراحة أحلى ( لام أوفر رايس) في نيويورك كلها
والصور على الطريق إن شاء الله

صورة الحاج / عاصم الحاج

مش ألتلك ما تصورش يا أحمد !!!

أولاً أحييك علي التقرير الرائع يا أستاذي الجليل/ أحمد ... أصدقك حديثاً أنني قد أنبهرت بالكعب العالي لأسلوبك الراقي ... لقد قابلتك و لاحظت عليكم كثرة أسئلتكم و كنت متاكد ان هذا المونتير سليل ذلك الرجل و كل ما تبقي للعائلة من أمل في سلالتها !!!
فسألت نفسي هل يمكن ان يكون الامل الذي قدره الله سوي رجل رائع ؟؟؟
فلم تخيب ظني بكم ... عموماً مرحباً بكم في التوك زميلاً جديداً بكاتبتك كبيراًجداً بموهبتك التي تضالف لتلك الانامل التي ترسم الجمال في برامج الجزيرة و واحداً من عملاقتها !!!
أخيراً وليس اخراً اتمني لك من كل قلبي رحلة عملية مفيدة سعيدة و في إنتظار التوثيق !!!
و مش ألته لك ما تصورش يا احمد !!!

صورة محمد بن أحمد ـ إسبانيا

ابن بطوطة المعاصر

استمتعت والله بقراءة ما كتبته عن هذه الرحلة، و شدتني سلاسة أسلوبك وغزارة معلوماتك، وحقا فالإنسان الذي يسافر كثيرا ويخالط شعوبا متنوعة يتميز عن غيره في أشياء عديدة، ، أستغربت كثيرا لكونك كنت الوحيد في مطار نيوورك الذي يضع كمامة في هذه الظروف، لكن لن أحتاج مشاهدة الكاميرا لتصديقك أخي العزيز، في انتظار الجزء الثاني لمذكراتك
دمت مبدعا

صورة ل . م

جميل

احييك عزيزي .. الى امام وبانتظار المزيد ..

ل . م

أضف تعليقاً

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.