ثمن لقب "دولة الرئيس"!!
أوّاب إبراهيم - الجزيرة توك - بيروت
ببدلة داكنة توسط النائب سعد الدين رفيق الحريري الوزراء إلى جانب رئيس الجمهورية لأخذ الصورة التذكارية للحكومة أمام قصر بعبدا. هو كوالده، دخل مجلس الوزراء رئيساً من المرة الأولى، دون أن يمر بحمل حقيبة وزارية، الأمر الذي درجت عليه العادة في لبنان قبل الوصول إلى السرايا الحكومية. لكنه بخلاف والده، رئاسته للحكومة كانت نتيجة لزعامته أأيأكبر كتلة برلمانية في المجلس النيابي، وتمثيله الطائفة السنية في العمل السياسي في لبنان خلال ولايتيْن نيابيتيْن، في حين كان "الشيخ رفيق" شخصية مجهولة للبنانيين، الذين اقتصرت معرفتهم به قبل ترؤسه الحكومة الأولى على المِنح الدراسية التي كان يقدمها لطلبة الجامعة الأميركية.
صحيح أن سعد الحريري يعمل في السياسة منذ العام 2005، وصحيح أيضاً أن الحريري خلال حملتيْه الانتخابيتيْن تواصل مع شريحة واسعة من المناصرين والمؤيدين والمنتفعين، لكن التعاطي المباشر له مع اللبنانيين وهمومهم، سيبدأ مع ترؤسه الجلسة الأولى للحكومة، لينوء كاهله بعبء أحمال ومصائب الدولة اللبنانية كلها، بعدما بقيت ردحاً من الزمن على ظهر الرئيس فؤاد السنيورة.
الشتائم لن تجد ضالتها في السنيورة بعد اليوم إذا ما انقطع التيار الكهربائي، أو ارتفع سعر صفيحة البنزين، أو تأخر إنجاز مشروع تأهيل بنى تحتية، أو إذا اعترضت حفرة طريق سيارة. واتهامات العمالة لأمريكا وإسرائيل التي كانت قوى المعارضة تستسهل توجيهها إلى صدر السنيورة، ستستبدله بصدر سعد الحريري إذا ما تجرأ الأخير على الاقتراب من أحد الخطوط الحمر التي فرضتها المعارضة على لبنان واللبنانيين رغماً عنهم.
"دولة الرئيس" لقب تحمّل النائب سعد الحريري الكثير من أجل الحصول عليه. واضطرّ للتضحية بالكثير كي يتسنّى له الجلوس على رأس طاولة مجلس الوزراء.
فهو طوال الأشهر الماضية تحمّل دلع حلفائه واشتراطات خصومه لتسهيل ولادة الحكومة. فقضى ساعات في زيارة سمير جعجع في منزله في معراب يستمع إلى نظرياته حول الدور الذي يجب أن يقوم به الحريري إذا ما تسلّم مقاليد مجلس الوزراء، لاسيما الحفاظ على لبنان "الكيان"، وضبط سلاح حزب الله والتضييق عليه. وهو في الجانب الآخر تحمّل "ثقل دم" النائب ميشال عون، واضطراره لاستقبال صهره الذي كان يستهلك معظم الوقت في الحديث عن الإنجازات التي حققها خلال فترة تولّيه وزارة الاتصالات، فيستعرض بجداول توضيحية المداخيل الإضافية التي حققها قطاع الخليوي منذ تسلّمه الوزارة، والإجراءات التي اتخذها لوقف الهدر والقضاء على الفساد.
إلا أن التضحية الأبرز التي مازالت تنتظر "دولة الرئيس" الحريري، هي زيارة سوريا ولقاء رئيسها، وفتح صفحة جديدة معها، ليتجاوز بذلك قناعة لديه ولدى شريحة واسعة من اللبنانيين أن لسوريا علاقة باغتيال والده سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة. تضحية ليس بمقدور الحريري تقديمها بسهولة. فهو ليس وليد كمال جنبلاط الذي لم يحتج الكثير من الوقت لتجاهل ضلوع –أو على الأقل اتهام- سوريا في اغتيال والده، فكان طفلها المدلّل، وحصل من خلالها على النفوذ والقوّة والسطوة طوال حقبة وصايتها على لبنان، قبل أن يعود ويتذكر مسؤوليتها عن اغتيال أبيه عام 2004 بالتزامن مع القرار 1559، ويتحول إلى الجانب الآخر فيتصدر توجيهه الشتائم إلى سوريا ورئيسها، ليعاود الانقلاب من جديد، فيستجدي حنينه للسير على طريق دمشق، واشتياقه لحضنها الدافئ، راصداً أي إشارة إيجابية تصدر عنها ليكون في صبيحة اليوم التالي عند منطقة جديدة يابوس الحدودية ليختم جوازه قبل دخولها.
ليست كثيرة الأمور المطلوبة من سعد الحريري بعد تبوءه سدة الرئاسة الثالثة للمرة الأولى، فمن الظلم أن يتوقع المرء الكثير في ظلّ الابتزاز الذي تعرض له الحريري خلال شهور تشكيل الحكومة. ويكفي مؤيدي الحريري ومناصريه أن ينجح في قيادة دفّة الدولة، وأن يكرس نفسه زعيماً لكل اللبنانيين، دون أن يكون ذلك على حساب من كرّسوه زعيماً لهم وناطقاً باسمهم.
المطلوب من سعد الحريري في ولايته الحكومية الأولى أن يمارس الصلاحيات التي منحه إياها الدستور، وأن يرفض المساس بها. على سعد الحريري أن يقدم للبنانيين نموذجاً من نظافة الكفّ وحسن الأداء. ليس كفّه ولا أداءه فقط، بل من فريق عمله، والوزراء الذين يمثلونه في الحكومة.
المطلوب من سعد الحريري أن يشكل أداؤه في السرايا الحكومية دافعاً للبنانيين كي يشكروا الله على الرئيس الكفؤ الذي أنعم الله به عليهم، لا أن يدفعهم كي يشكونه إلى الله.
مصنف في




التعليقات
أضف تعليقاً