

ذكريات لا تنسى لحجاج بيت الله الحرام
عبدالله بوقس ـ الجزيرة توك ـ مكة المكرمة
فقدت الجمال في وقتنا الحاضر أهميتها في بعض المجتمعات العربية، واستغنى عنها كوسيلة نقل وترحال، لكن لا يزال لها حظ وفير عند كثير من الناس، فقد عد الرسول صلى الله عليه وسلم الجمال ثروة يكتسب بها الرزق والمال، وأثنى على أصحاب الإبل وأوصى بالمحافظة عليها، حيث يقول عليه الصلاة والسلام: "الإبل عز لأهلها".
فقد أصبح للجمل استعمالات عديدة ومختلفة في وقتنا الراهن، إذ تستخدم في الترويج السياحي لبعض الأماكن التاريخية والتراثية، واستقطاب السياح والزوار إلى منطقة ما.
ففي منطقة الحجاز بالمملكة العربية السعودية، وتحديداً في جبل الرحمة، بمنطقة عرفات، يكثر ارتياد الزوار من الحجاج والمعتمرين إلى المناطق التاريخية والتراثية في مكة المكرمة من أجل التعرف على الآثار الدينية، فيتسابق أصحاب الجمال في تزيين جمالهم بالزينة البدوية القديمة، والهودج العربي الأصيل المثبت على سنام الجمل، وإضفاء شكل جمالي يلفت أنظار الزائرين من الحجاج والمعتمرين للجمل العربي، حيث يعد أرباب الجمال ذلك مصدرا للرزق، وموسما اقتصاديا، ومرتعا للسياحة والزيارة.
مراسل الصحيفة في ساحة جبل الرحمة
ولا يُستغرب ظهور أرباب الجمال بثيابهم العربية، ممسكين عصا طويلة ينيخون بها جمالهم لكي تبرك، وانتشارهم في جميع أنحاء الساحات المحيطة بجبل الرحمة ينادون حجاج بيت الله لركوب جمالهم، ويساومونهم على ذلك مقابل مبلغ نقدي، يقول العم صالح، أحد أرباب الجمال مشيرا إلى جمله: "هذا هو مصدر رزقي، وهذا هو رأس مالي، استرزق به من انفلاق الصبح حتى المساء".
ويشير إلى الحجيج: "يستمتع هؤلاء الحجيج بركوب الجمل، وبشرب حليبه، فهو مفيد للمعدة، وبعضهم يعدونه رمزا من رموز العروبة". وذكر لنا بعض مسميات الجمل، فالناقة هي الأنثى من الإبل، والإبل يطلق على الجمال والنوق معًا، والبعير هو ما يصلح للركوب والحمل من الإبل، و الجيث هي الإبل التي تحمل المقاتلين، والراحلة هي المخصصة لحمل الأثقال والقوافل التجارية، والهجين هي المخصصة للسباق، والجالمة السوداء منها، والوضحاء البيضاء منها، والشهلاء البنية منها.
يانا: "من الجميل جدا ركوبها والتصوير داخل هوادجها المزينة"
وتتفاوت أسعار ركوب الجمال ما بين 10 ريالات (3 دولارات) إلى 15 ريال (4.5 دولار) حسب أوقات الذروة، إضافة إلى أسعار التصوير الفوتوغرافي الفوري، والتي تبلغ10 ريالات، فكل صاحب جمل يحمل في يديه عصا وكاميرا للتصوير الفوتوغرافي، يقول الحاج محمد أمين، أحد الحجاج الماليزيين: "هذه أول مرة أزور فيها بيت الله الحرام لأداء مناسك الحج، لذا أحرص على التصوير في كل مكان أزوره، ومع أي شيء يدل على البيئة العربية، لأحكي لأبنائي قصة رحلة الحج بعد العودة".
ولزوار جبل الرحمة بعرفات مواقف طريفة مع الجمال، تقول السيدة يانا، إحدى الحاجّات الإندونيسيات إن أول مرة ركبت فيها الجمل كان عند أدائها لمناسك العمرة في السنة الماضية، حيث لم تتمسك جيداً بمقبض الهودج عند قيام الجمل، فسقطت على الأرض، لكنها لم تصب بأية إصابة، وقد عزمت على ركوبه في هذه المرة، لكنها كما وصفت: "أصبحت أكثر خبرة في التعامل مع الجمال، فهي حيوانات أليفة ولطيفة مع الإنسان، وإنه من الجميل جدا ركوبها والتصوير داخل هوادجها المزينة".
الجمال ثروة يكتسب بها الرزق والمال
وتقول أيضا: "حسب قراءاتي عن الجمل فإنه يسير بطريقة تختلف عن طريقة سير الحيوانات الأخرى, إذ إنه يحرك رجلي الجانب الأيمن معًا، ويتبعهما برجلي الجانب الأيسر معًا، وينتج عن هذه المشية تأرجح كل من يعتلى ظهره بصورة كبيرة".
وعلى قارعة الطريق، وفي جانب من جوانب الساحات المحيطة بجبل الرحمة، التقينا بالحاج أمير أحمد، أحد حجاج الهند وقد التصق غائط الجمل الملقى على مد الطرق بأسفل حذائه، مبدياً استيائه من ذلك، وواصفا ذلك التصرف بعدم مبالاة أصحاب الجمال فيما يخلفه جمالهم من غائط، منادياً بوجوب تنظيف مثل هذه الأماكن المقدسة من أي قذارة ونجاسة، خاصة في أوقات الذروة وعند ازدحام الحجاج، واقترح بتخصيص ساحات خاصة لتجوال الجمال بعيدا عن الممرات العامة وقارعة الطريق.
يذكر أن الجمال قد احتلت مكانة مرموقة عند العرب، فعلاقة الجمل بالإنسان العربي علاقة قديمة، تضرب بجذورها في أعماق التاريخ، حيث استطاع الإنسان العربي فهمه واستخدامه في أمور كثيرة، وأعمال شاقة عديدة منذ عصور وقرون تصل إلى حوالي أربعين قرنا من الزمان، وقد حباه الله بقدرات تمكنه من السير لمسافات طويلة فوق الرمال الناعمة، ووسط الصحراء القاحلة يندر فيها الماء والكلأ، وتكثر فيها الرياح والعواصف الرملية، حاملا لركاب، وناقلا لمتاع والتجارة وعتاد الحرب.
تنظيف المشاعر المقدسة من القذارة ومخلفات الإبل مسؤولية من؟
وحسب الدراسات فإن الجمال تشكل في الوطن العربي 65% من مجموع الجمال في العالم، وتؤدي خدمات كبيرة في تنفيذ الأعمال الزراعية في مناطق متعددة من مصر والشمال الإفريقي، واليمن وغيرها، وفي النقل والتنقل في كثير من البلاد العربية. وهي عماد الاقتصاد في مناطق واسعة من الصومال والسودان وموريتانيا وجنوب الجزائر وتونس، ويشكل حليبها الغذاء الرئيسي لسكان تلك المناطق في معظم أيام السنة.
Bookmark/Search this post with:
التعليقات
أضف تعليقاً